الجمعة، 8 أكتوبر، 2010

كتاب الفتاوى الجزء الثاني


تـنبيـه:
قد ضم إلى هذا المجلد منسك الحج لأنه أنسب، وأخرجنا رسالة الإمام علي بن المؤيد في مراتب الأئمة ورسالة الإمام عزالدين إلى العلماء من أصل ترتيب السيد العلامة/ محمد بن أحمد بن عزالدين وضممناهما في القسم الأول.

مقدمة التحقيق للقسم الرابع وهو فن الفقه
يقول المفتقر إلى الله تعالى عبدالرحمن بن حسين بن محمد بن مهدي بن محمد بن إسماعيل بن يحيى بن محمد (الملقب شايم) بن علي بن محمد بن علي بن داوود بن الهادي بن أحمد بن المهدي بن الإمام عزالدين بن الحسن بن الإمام علي بن المؤيد" .
بعد حمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله الهداه ، قد قدمت لرسائل الأئمة الثلاثة المجموعة في المجلد الأول، بما اقتضاه المقام، وعنيت في جمع تلك الرسائل وتصحيحها وتخريج أحاديثها، وتقويم المعوج من ألفاظها، الذي حرفتهُ أيدي النساخ، ونبهت على ما ترجح لي من تلك الآراء التي سطعت أنوارها، وطما تيارها، أما الآن فقد جمعت خيلي ورَجلي، لأقدم لقسم الفقه، وأجهد نفسي في إبراز ذلك الدر المكنون من ألفاظ هذا القسم، وأخوض غماره، وأُلجج في بحاره، وأخرج بعض أحاديثه، فإن أصبت وأحسنت ،فذلك من فضل ربي، ويكون ذلك صلة لجدي وأبي ، وقربة مقربة إلى ربي ، وإن أخطأت، فقد أبلغت جهدي، ولا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها .
واعلم أن العلوم وإن تنوعت أنواعها، وتشعبت شعبها، وتفننت أقسامها ، فإن علم الفقه بعد إحراز المرء معرفة الله تعالى، وما يجب له من الصفات، وما يجب أن ينفى عنه من النقائص، وبعد معرفة النبوات، والوعد والوعيد والإمامات ، هو إمامها ورأسها وسنامها، لأن بمعرفته وإحرازه، تصح معاملة العبد لربه في عبادته، وتصح معاملته للمخلوقين ، فبه تحصل النجاة وتكون عبادته ومعاملته على وفق إرادة الله تعالى، وكل عمل ليس مطابقاً لأمر الشارع فهو رد .
ثم إن علم مسائل الأحكام ، ومعرفة الحلال والحرام ، وإن كان هو الطريق لسلوك المعاملة الصحيحة ، وإحراز المتاجر الربيحة ، فإن فقه الفقهاء كثير ، واختلافهم فيه وفي مسائله شهير، فلا بد للسالك من إجالة النظر في طلب الحق ، والتمسك بالنهج الأقوم الموصل إلى مراد الله تعالى القائل في محكم كتابه ﴿ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭﮮ﴾[الزمر: 18] وطلب الحق ومعرفته وإتباعه، ليس بالسهل اليسير، بل لا بد من تجريد نفس الطالب لله وإخلاصه، ونبذ التقليد، وترك حب الأسلاف والآباء والمشائخ، والعصبية المردية المهلكة، والتزام قبول الحق من أينما ورد ، وسواء قلنا :الحق في المسائل الفرعية واحد والمخالف مخط غير آثم، مع توفية الاجتهاد حقه ، أم قلنا: إن كل مجتهد مصيب من الصواب على بعد القول الأخير، فطلب الحق متعين على كل واحد من القولين، فالله تعالى أمرنا بطلب الحق والكون مع الصادقين ، ونصب لنا على ذلك الدلالات القاطعات في العلميات، والدلالات والأمارات في العمليات .
ولما كان فقه الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، تؤخذ من كتاب الله الكريم، ومن السنة النبوية، ومن القياسات الجلية والخفية ،ومن الإجماعات المروية، ولما كان القرآن الكريم و السنة النبوية الغراء، فيهما المنطوق والمفهوم، والظاهر والمجمل والمبين، والمطلق والمقيد والعموم والخصوص، والناسخ والمنسوخ ،والمحكم والمتشابه، وفي السنة كذلك، وفيها الصحيح والمقبول و المعلول، والمردود والمكذوب على رسول الله ÷ إلى غير ذلك ، عمد رجال الأصول إلى تقرير قواعد صحيحة، وأصول قوية أصيلة، ووثقوها بأدلة قطعية، فبنوا تلك الفرعيات المستخرجة من النصوص على تلك القواعد، وجعلوا تلك القواعد معياراً ، سبروا بها غور المسائل المستخرجة .
ولما كان فقه أهل البيت " هو الفقه الخالص من الشوائب ، العذب الموارد، والسلسبيل للقاصد ، لما تميز به من المميزات التي أدركها النظار ، وسبرها أهل النهى والأفكار ، وهي أمور جمليَّة ترجع إلى ما اختص به أهل البيت " من الأدلة الدالة على طهارتهم، وعصمتهم ووجوب إتباعهم ،والرد إليهم والكون معهم ، وأن الحق لا يفارقهم، وأنَّهُمُ الأمان لهذه الأمة، وأمور ترجع إلى نفس فقههم ومسائله على إنفراد كل مسألة، وذلك ما يعرفه العارفون من صحة إسنادهم ، ودقة أنظارهم، وتمحيص أقوالهم، إذ أسانيد أحاديثهم عن آبائهم ، وعن شيعتهم، لم يجنحوا إلى تخاليط الحشوية وتمويهاتهم، كما قال الناصر الكبير %:
فقـولهم مسنـد عـن قـول جدهم


عـن جـبرائيل عـن البـاري إذا قـالـوا

وكما قال غيره :
ما أتـوا عــن مسـرهدٍ بـحــديث

لا ولا وثـقـــوه فــي إسـنـاد

لا ولا أسنـدوا لـعمـرو حـديثاً
بــل رووا علمهم عن السـجاد

وكما قال المنصور بالله % :
كـم بين قولي عـن أبـي عـن جده

وأبـــو أبـي فـهـو الـنبي الـهادي

وفـتى يقول: روى لنــا أشياخنا
مـا ذلك الإسـنـاد مـــن إسـناد

خــذ ما دنـا ودع البعيد لشــأنـه
يـغـنيـك دانــيه عـــن الإبـعـاد

فالمذهب الهدوي الذي هو مذهب العترة الطاهرة، هو الذي فتح باب الاجتهاد، وأوجبه على القادر، وأجاز التقليد للقاصر ، وهذا شيء عظيم بعيد عن التحجر الذي وقع فيه فريق من الناس، ممن أوجب التقليد، وأغلق باب الاجتهاد على القادر عليه، وهذا حجر منه لعطاء الله، وما كان عطاء ربك محظورا .
فَلِما ذكرنا كان من علماء مذهبنا من أئمة أبرار، وشيعة أخيار، أن تباروا في استخراج المسائل، وتحرير الدلائل، من غير حجر من بعضهم على بعض ، يعلنون إجتهاداتهم ،ويقررون مختاراتهم ، مع حفظهم لعلوم أوائلهم، والإعتناء بنصوص سابقيهم ، فالمتأخر ينقح مذهب السابق تارة بالتخريج، وتارة بالتعليل، وأخرى بإقامة الدلائل ورد شبه المعترضين، يذب عنه ويحميه، ويوثق إسناده ويرويه، فهو مثلا يخرج للهادي % ويفرع ويدلل ويعلل لمذهب إمامه، وعندما يُسأل عن مذهبه، يرجح ما يراه، وهذا فائدة فتح باب الاجتهاد، وقد أبرز الإمام أبو الحسين المؤيد بالله، وأخوه الناطق بالحق يحيى بن الحسين عليهما السلام و من في طبقتهما من أئمة الهدى، ومن الشيعة الذين بهديهم يقتدى، صورة ذلك، وأوضحوه أتم إيضاح، وأفصحوا بحقيقة ما قلنا أتم إفصاح، إذ هم المتدثرون بلباس التحقيق، والصاعدون درجات الاجتهاد إلى سماء التدقيق، وما أجمل ما قاله الإمام يحيى بن المحّسن الداعي % في ذكر الإمامين عليهما السلام :
والسـيدان أحـمــد المــؤيـد

وصنوه يحيى فنـعم الســيد

نـهـر عظيــم وخـضم مـزبد
طابا فعــالا حين طــاب المولـد


فضـلهما مشـتهر لا يـجـحد



قد صنفا التحرير والتجريــدا

لقــول يحيى أظهرا التأييـدا

مـــــجـتهـدين آثـــرا التقــــليـدا
واغتـرفا حوضا لـه مورودا

لاشك أنهما في أعلى رتبة الاجتهاد، ولا يعني الإمام الداعي أنهما قلداه، بل أراد أتّبعاه إتباع المقلد، لما وجدا أقوال يحيى % معمدة بالأدله، وتطابق رأيهما مع رأيه ، فصارا كالمقلدين، كيف (وقد قال المؤيد بالله %: كنا نهاب خرق نصوص يحيى كما نهاب خرق نصوص القرآن).
وإذا نظرت إلى بقية علماء المذهب، من مخرجين ومحصلين، ومقررين ومذهبين، لم تجد إلا أئمة النظار، تتلاطم علومهم كتلاطم البحار، وقد قلنا: إن المجتهد فرضه الاجتهاد، والتقليد إنما هو لغير المجتهد، ولما كانت إجتهادات العلماء هي التي يهتدي بها المهتدون وتنير الطريق، التي يسلكها السالكون، قد حرروها إما في تأليفات مستقلة، وإما في أجوبة على أسئلة واردة، فمن هذا النوع الأخير ،كان هذا الفرات النمير، الذي نقدم له، وهو أجوبة أسئلة وردت على الأئمة الثلاثة، وأغلبها وأكثرها على الإمامين السابقين الهادي عزالدين وولده الناصر الحسن بن عزالدين، والأقل النادر على أبيهما الإمام على بن المؤيد %، فجاءت الجوابات بالاجتهادات تارة مقررة لما ذهب إليه أهل مذهبنا، وتارة يقرر المجيب اجتهاده بأدلة ناهضة، وبعلل ظاهرة ولا غرو أن حلقت هذه الجوابات في سماء التحقيق ، وبلغت الغاية القصوى في التدقيق، فانّ ابن بجدتها، والفاضّ لعذرتها هو الذي جلّى في السباق، وسارت دقائق علومه في الآفاق، وولده الإمام هو الذي لا يشق غباره، ولا تمحق آثاره، ولست بصدد أن أبين أصول قواعد المذهب، ولا أن أذكر أهل النصوص منهم، ولا أفصل ذكر المحصلين والمخرجين والمفرعين، وأهل التقرير والتذهيب من المتأخرين، من المدينتين صنعاء وذمار، لأن ذلك مذكور ومفصل في مؤلفات مستقلة، ولعل من يقدم لبعض الكتب الفقهية لمذهب الهدوية، ممن له نشاط يتعرض لذلك بدقة، وإنما عنيت بإخراج هذه الكنوز الثمينة الصادرة عن هؤلاء الأئمة لما في ذلك من النفع لطلاب العلم، لأنها معاونة على البر والتقوى، لما في ذلك من الأجر والثواب المرجو من الله تعالى، ولأن هؤلاء الأئمة آبائي، فمن تمام بري لهم، إخراج مؤلفاتهم لينتفع بها رواد العلم ،فيحصل لمؤلفيها الثواب، لحديث (( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، ومنها علم ينتفع به ))، وقد قمت بإخراج النص وتصحيحه بتقويم ما اعوج من أيدي النساخ، وأصلحت ما تصحف من الألفاظ، ولا أدعي الكمال فهو لله تعالى ولكني قد بذلت وسعي. جعل الله ما لاقيته من التعب والوصب في إخراج ذلك، ثقلاً في موازيني، وحطّاً لسيئاتي ،ونوراً يسعى بين يدي، بحق النبي الأمين وآله الطاهرين .
وقد اعتمدت في أخراج هذا القسم الأخير المتعلق بالفقه على أربع نسخ:ـ
الأولى: نسخة قديمة مصورة على نسخة المولى العلامة/ علي بن محمد العجري ! قال في آخرها: انتهى ما وجد من السؤالات والجوابات في حال نسخ هذه الأوراق بحمد الله باري البريات، وفاطر الأرض والسموات، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وسلم، فرغ من نسخ هذا الكتاب الميمون، في نهار السبت غرة ذي القعدة أحد شهور سنة ثلاثة وسبعين وألف هجرية، وذلك برسم مالكه من فضل الله العدل الأفضل، درة تاج الشيعة المكلل ،وطراز المجد الأمثل ،عز الملة والدين، وسلالة الأكرمين/محمد بن علي بن جعفر أبقاه الله ومتع المسلمين ببقاه ،آمين.
والثانية: بقلم الوالد العلامة: حسن بن محمد العجري مصورة، والأصل من خزانة الأخ/ حسين بن محمد حورية.
والثالثة: نسخة صحيحة أصل من حوزة بعض الإخوان قال في آخرها: قال في الأم: انتهى ما وجد من السؤالات والجوابات في حال نسخ هذه الأوراق ،والحمد لله باري البريات، وفاطر السموات، تم ما رقم من سؤالات الإمام الهادي إلى الحق عزالدين بن الحسن، وولده الحسن بن عزالدين عليهما السلام ،وجواباتهما وما إليهما بحمد الله وعونه وكرمه وإحسانه، في ضحى يوم الأربعاء لعله 16 شهر رجب الأصب تاريخها بعد الثلاث مائة وألف .
والرابعة: أصل كذلك بقلم السيد حسن بن عزالدين عدلان .
وقد قابلت النص على هذه النسخ المذكورة، وقد أشرنا إلى هذه النسخ المذكورة في مقدمة المجلد الأول ،وصورنا أوراقاً من ثلاثٍ منها، أما الرابعة فقد كانت ردت إلى صاحبها وقت التنسيق،ولم أعن بذكر الفوارق بين النسخ إلا في مواضع، واعتمدت النسخة الأولى أصلاً، ولما كانت رسالة الإمام علي بن المؤيد في مراتب الأئمة، وكذلك رسالة الإمام عزالدين في الإمامة، وجواب البكري وجواب النجري ، وضعها جامع الفتاوى السيد العلامة/ محمد بن أحمد بن عزالدين في فن الفقه، بجانب باب السير في أصل ترتيبه، فرأينا إخراج تلك الرسائل من فن الفقه ،ووضعها بين رسائل الإمامة، ولما كان منسك الحج للإمام عز الدين منفرداً مستقلاً، رأينا إدخاله في كتاب الحج في الفتاوى، لأنه المكان اللائق به .
وأشكر كثيراً من أعانني على أداء هذه المهمة من أولادي وأحفادي وتلامذتي، ممن قام بالمقابلة معي، وبصف هذا الكتاب العظيم وتنسيقه، ومنهم ولدي/ عبدالله بن عبدالرحمن شايم، وولدي/ علي بن عبدالرحمن شايم، وحفيدي/أحسن بن محمد عبدالرحمن، وأشكر كل من أسهم في هذا العمل، ومن شد أزري عليه وأعانني، فجزا الله الجميع خيراً، وسددهم وثبتهم، وجمع لهم بين خيري الدنيا والآخرة .
وبهذا يتم ما أردناه، والقصد خدمة العلم وإبراز نفائس المؤلفات، ولم نعن بالتحقيق الفني الذي يسعى إليه بعض الإخوان، بل غرضنا حصول الفائدة، والله الموفق لكل خير.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وحرر بتاريخه جمادي الأولى 1424هـ

عبد الرحمـن حسيـن شايـم وفقه الله تعالى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق