الأربعاء، 22 سبتمبر، 2010

الذب عن التراث البلاغي للإمام يحيى بن حمزة عليه السلام 2/2

وفي الموضوع ذاته، أعني موضوع الأجرف الجارة ودلالتها اللغوية والبلاغية، يورد الإمام يحيى بن حمزة الشاهد الثاني، وهو قوله تعالى: ?إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ?[60:التوبة]، حيث ناقش الإمام الزمخشري -وتابعه كل من ابن الأثير والإمام يحيى ابن حمزة- ورود حرف الجر "اللام" في المواضع الأربعة الأول، مع الفقراء ومن بعدهم، وورود حرف الجر "في" معم المواضع الأربعة الأخر، مع الرقاب وما بعدها. قال الإمام يحيى بن حمزة : «لكن الله خص المصارف الأربعة الأول باللام، دلالة على الملك والأهلية للاستحقاق، وعد عن اللام إلى حرف الوعاء في الأصناف الأربعة الأخر، وما ذاك إلا للإيذان بأن أقدامهم أرسخ في الاستحقاق للصدقة، وأعظم حاجة في الافتقار، من حيث كانت في دالة على الوعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات، كما يوضع الشيء في الوعاء، وأن يجعلوا مظنة لها، وذلك لما في فك الرقاب وفي الغرم من الخلاص عن الرق والدين، اللذين يشتملان على النقص، وشغل القلب بالعبودية والغرم، ثم تكرير الحرف في قوله: ?وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ? قرينة مرجحة له على الرقاب والغارمين، وكان سياق الكلام يقتضي أن يقال: "وفي الرقاب والغارمين وابن السبيل"، فلما جيء بفي مرة ثانية وفصل بها سبيل الله علم أن السبيل آكد في الاستحقاق بالصرف فيه؛ من أجل عمومه وشموله لجميع القربات الشرعية، والمصالح الدينية»[الطراز،2/54-55]، وأردف الدكتور/ نزيه هذا الكلام بقوله: «وهذا مأخوذ من "المثل السائر"، وأصله في "الكشاف"، والفضل في الأشارة إلى المعاني البلاغية لحروف الجر في النصين الكريمين للإمام الزمخشري، وليس لابن الأثير في دراسة حروف الجر جهد، إلا الشرح والاستنباط من كلام الزمخشري، أما العلوي فلا فضل له البتة»[من مباحث البلاغة والنقد بين ابن الأثير والعلوي:21].

وحتى نتحقق من موضوعية هذا الكلام نورد نص الزمخشري ونص ابن الأثير، حتى نرى فضل الشرح والاستنباط الذي نسبه الدكتور/ نزيه إلى ابن الأثير، ونزع عن الإمام كل فضل، قال في الكشاف: «وذلك لما في فكّ الرقاب من الكتابة أو الرقّ أو الأسر، وفي فكّ الغارمين من الغرم من التخليص والإنقاذ، ولجمع الغازي الفقير أو المنقطع في الحج بين الفقر والعبادة، وكذلك ابن السبيل جامع بين الفقر والغربة عن الأهل والمال»[الكشاف،2/283]، وقال في المثل السائر: «فإنه إنما عدل عن اللام إلى ( في ) في الثلاثة الأخيرة للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره باللام،لأن "في" للوعاءِ فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات كما يوضع الشيء في الوعاءِ وأن يجعلوا مظنة لهاِ وذلك لما في فك الرقاب وفي الغرم من التخلصِ، وتكرير "في" في قوله ?وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ? دليل على ترجيحه على الرقاب وعلى الغارمينِ وسياق الكلام أن يقال: "وفي الرقاب والغارمين وسبيل الله وابن السبيلِ" فلما جيء بفي ثانية وفصل بها بين الغارمين وبين سبيل الله علم أن سبيل الله أوكد في استحقاق النفقة فيهِ»[المثل السائر، 2/49-50]، والمتابع يرى أن لا فضل لابن الأثير في شرح ولا استنباط، وما فعله أقل مما فعله الإمام يحيى في هذا الموضع، ومع ذلك ترى المؤلف ناقما على الإمام يحيى بن حمزة، وائدا لكل حسنة، مصطنعا كل سيئة، فأقل ما يقال: إن الإمام يحيى بن حمزة مثلا أورد تعليلا لطيفا لتوكيد سبيل الله في الاستحقاق، لم يذكره ابن الأثير، حيث قال : «علم أن السبيل آكد في الاستحقاق بالصرف فيه؛ من أجل عمومه وشموله لجميع القربات الشرعية، والمصالح الدينية».

ثم يأتي الشاهد الثالث هنا، وهو مما لم يذكره الزمخشري ولا ابن الأثير، فالإمام يحيى في ذكره لما سبقه إليه الزمخشري أو ابن الأثير يريد أن يجمع أحسن القول في هذه المسائل، ولكنه غير كلٍّ على ما عندهم، ففي قدرته الإتيان بالجديد، والشاهد الثالث هو قول الله عز وجل: ?وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا?[70:الإسراء]، قال الإمام يحيى بن حمزة: «إنما أعرض عن ذكر حرف الاستعلاء وهو "على"، وعدل عنه إلى حرف الوعاء، وهو "في"، مع أن الظاهر هو العلو على الأرض والفلك، إعلاما بأن حرف الوعاء أقعد وأمكن ههنا من حرف الاستعلاء، لأن "على" تشعر بالاستعلاء لا غير، من غير تمكن واستقرار، و "في" تشعر ههنا بالاستقرار والتمكن، ومن حق ما يكون مستقرا فيها متمكنا أن يكون مستعليا له، فيما كانت "في" تؤذن بالمعينيين جميعا آثرها، وعدل إليها، وأعرض عن "على" دلالة على المبالغة التي ذكرناها»[الطراز،2/55]، وقبل أن يورد الدكتور/ نزيه هذا الكلام قدم له بقوله: «انفرد العلوي بالكلام على سر التعبير بحرف الجر "في" دون "على" ولذلك أخطأ فيما قاله، وهكذا العلوي إذا حاول أن يستقل بنفسه، فإن الخطأ يلازمه غالبا فيما يقول»[من مباحث البلاغة والنقد بين ابن الأثير والعلوي:22]، وبعد هذا الكلام لا يملك المنصف إلا أن يقول: يا للعجب!!
وأين أخطأ يا ترى؟ سيبين بعد حين من الذي إذا استقل بنفسه يلازمه الخطأ فيما يقول، والإمام هنا لم يبتعد عن دلالة اللغة، ولم يركب مراكب الجهل والتخبط، فـ"حمل" في اللغة كما ذكر ابن فارس في مقاييس اللغة (أصلٌ واحدٌ يدلُّ على إقلال الشيء)، ومن هنا كان الفهم الذي انطلق منه الأمام في تحليله الدلالي ذي أصل أصيل ثابت، ويا ليت الدكتور/ نزيه كان موضوعيا في بحثه حتى ينال الحقيقة.

ثم يقول الدكتور/ نزيه: «ما ذكر العلوي في سر العدول عن الحرف "على" إلى الحرف "في" لم يشر إليه أحد من المفسرين أو البلاغيين أو اللغويين»[من مباحث البلاغة والنقد بين ابن الأثير والعلوي:23]، ويحق لنا هنا أن نتساءل: ما ذا في هذا؟ متى كان السبق والإبداع معرة؟ ولو كان ابن الأثير هو صاحب ذلك الكلام لعد الدكتور/ نزيه ذلك حسنة له، وإضافة في هذا المورد، ولمجد فضل سبقه إليها، ولكن لما كان الإمام يحيى بن حمزة صاحبها كانت عنده جريمة، وقد قام المؤلف بالتنقيب والحفر في هذه الدلالة التي عرضها الإمام عند غيره حتى يحصل على ما يمكنه من تخطيء الإمام، فلنتابع.

ثم أورد الدكتور نزيه ما حسبه الدلالة الصائبة للآية، حيث ذكر عن البيضاوي أن المقصود بحملناهم في البر والبحر أي على الدواب والسفين، من حملته حملا، إذا جعلت له ما يركبه، وذكر تعليق الشهاب على كلام البيضاوي بقوله: «"على الدواب والسفن" فهو من حملته على طذا إذا أعطيته ما يركبه ويحمله، وفالمحمول عليه مقدر بقرينة المقام، كما في قولهم: حملته، إذا جعلت له ما يركبه»[من مباحث البلاغة والنقد بين ابن الأثير والعلوي:23]، وحيال هذا نقول: إن ما ذكره هؤلاء المفسرون لا ينافي ما في كلام الإمام يحيى بن حمزة، فهم لم يتعرضوا لورود حرف الجر (في) بل جعلوا الآية من باب مجاز الحذف، فمعناها عندهم "وحملناهم في البر على الدواب وفي البحر على السفن" وهذا ظاهر لمن كان له قلب، ويشهد له قول الشهاب في تعليقه المنقول على كلام البيضاوي: "فالمحمول عليه مقدر بقرينة المقام".
و إيراد الدكتور/ نزيه لهذا الكلام في معرض الرد والتغليط للإمام يحيى بن حمزة غير مفهوم، إلا في سياق الخبط والعمى، وعدم فهم دلالات النصوص.

ثم يقول الدكتور/ نزيه: «ومما يقوي قول المفسرين هذا، ويضعف ما قاله العلوي: أن الفعل "حملنا" بمعنى أركبنا، جاء في القرآن مرة متعديا بنفسه، ومرة بالحرف "في" وثالثة بالحرف "على" قال تعالى: ?وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ?[التوبة:92]، وقال: ?وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ?[يس:41]، وقال: ?وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ?[القمر:13]، فهذا الفعل شبيه بالفعل "هدى" يتعدى بنفسه تارة، وبالحرف "إلى" تارة أخرى، وباللام ثالثة، ولم يقل أحد من المفسرين بإفادته معنى بلاغيا، إذا عدي بحرف دون آخر، والله تعالى أعلم»[من مباحث البلاغة والنقد بين ابن الأثير والعلوي:23]، وفي هذا الموضع يأتي المؤلف بما يضحك منه كل ذي لب، فالفعل (حمل) جاء في القرآن وفي لغة العرب دائما متعديا بنفسه إلى مفعوله، والعجب أنه يورد ما يظنه دليلا على ما يزعمه من آيات الذكر الحكيم، ولكنها جميعا تخلوا مما أراده في قوله : "جاء في القرآن مرة تعديا بنفسه، ومرة بالحرف في وثالثة بالحرف على"، فالآية الأولى التي أوردها كشاهد على التعدي بنفسه قوله تعالى: ?لتحملهم? مفعولها الضممير المتصل، ولم يذكر المحموول عليه، إذ هو مقدر بقرينة المقام، كما في كلام الشهاب السابق الذي نقله -لو كان يعقل-، وفي الآية الثانية والثالثة نجد الفعل لم يتعدَّ بحرف الجر، إنما صرحت الآيتان بذكر المحمول عليه فيهما، فـ ?حملنا ذريتهم في الفلك? المفعول هو "ذريتهم"، من دون حرف جر، و?حملناه على ذات ألواح? المفعول هو الضمير المتصل كما في الآية الأولي، مع التصريح هنا بذكر المحمول عليه.

فتعجب من صخرة تناطح جبلا، ومن جاهل يتطاول على عالم.

وأما قوله لم يقل أحد من المفسرين بإفادة الفعل "حمل" معنى بلاغيا إذا عدِّي بحرف دون آخر فهي شهادة للإمام بإبداعه، وبقدرته على الاستنباط، على خلاف ما اتهمه الدكتور/ نزيه، وعلى خلاف الحقائق التي أنتجتها دراسته، وماذا يحصل لو كان المفسرون لم يذكروا مثل هذا الذي سبقهم إليه الإمام يحيى بن حمزة، ألم يعب الدكتور/ نزيه عليه أنه لم يأت بشيء من عنده، ثم لما جاء بما لم يسبق إليه جعلته عارا وشنارا!



والحق أن ما ذكره الإمام حقيق بالإشادة، فما أعجب القرآن وما فيه من دقيق الاختيارات، ففي موضع يقول عز وجل : ?إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ?[الحاقة:11] وفي آخر يقول: ?وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ?[القمر:13]، وفي استخدام على في الثانية مناسبة للألواح والمسامير، لما كانت (على) تدل على الاستعلاء من غير تمكن ولا استقرار، فماذا تفعل ألواح ومسامير أمام الموج الذي يرتفع كالجبال؟ بينما في سورة الحاقة قال "في الجارية" فهي هنا موصوفة بأنها جارية تجري على الموج، فناسب هذا الوصف استعمال "في" الدالة على الاستقرار والتمكن.

وهنا ينتهي الموضوع، ويبدأ الدكتور في موضوع التقديم والتأخير، وأسأله تعالى أن يهيئ الفرصة لتناول ما كتبه الدكتور/ نزيه في سائر مواضيع الكتاب، حتى تظهر الحقيقة التي حاول بعضهم أن يطمسها، وتظهر منزلة كل أحد في العلم والمعرفة، وإن كان في هذه النماذج البسيطة كفاية، لما فيها من بيان التحامل، والتسرع، والجهل باللغة، والله تعالى أعلم.

المراجع:
- من مباحث البلاغة والنقد بين ابن الأثير والعلوي، د. نزيه عبد الحميد فراج،مكتبة وهبة، ط1، 1997م.
- المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، أبي الفتح ضياء الدين نصرالله بن محمد بن محمد بن عبدالكريم الموصلي(637هـ)، تح: محمد محيي الدين عبدالحميد، المكتبة العصرية - بيروت ، 1995م.
- الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل فى وجوه التأويل، جار الله أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري(538 هـ)، دار الكتاب العربي ـ بيروت، 1407 هـ.
- الطراز، المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، الإمام يحيى بن حمزة بن علي(745هـ)، دار الكتب الخديوية، طبع بطبعة المقتطف بمصر، 1914م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق