الأربعاء، 22 سبتمبر، 2010

الذب عن التراث البلاغي للإمام يحيى بن حمزة عليه السلام 1/2


في خضم الدراسات البلاغية كانت للإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة(745هـ) -سلام الله عليه- اليد الطويلة، التي أقر بها أهل المعرفة، وتناولوها بالبحث والتحليل في دراساتهم الأكاديمية، ولكن ما لفت انتباهي هو كتاب (من مباحث البلاغة والنقد بين ابن الأثير والعلوي) تاليف الدكتور/ نزيه عبد الحميد فراج، وفيه العجب العجاب، وقد صدّر المؤلف كتابه بعبارة عبد القاهر الجرجاني في الصفحة الثالثة منه حيث يقول: «إذا تعاطى الشيء غير أهله، وتولى الأمر غير البصير به، أعضل الداء، واشتد البلاء». وبعد أن يتصفح القارئ الكتاب يفهم المقصود بهذه العبارة، فهي تعريض بالإمام يحيى بن حمزة، فالإمام يحيى بن حمزة عند الدكتور/ نزيه فراج ليس من أهل البلاغة، ولا من أرباب البصيرة، فقد أعضل به الداء، واشتد به البلاء، في كتابه (الطراز، المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز).


وأكثر من هذا، فهو في المقدمة يذكر أن ابن الأثير (637هـ) ذو شخصية متميزة، وأنه كان الواسطة لإفادة الإمام يحيى عليه السلام من بلاغة الكشاف، ويقول أيضا: إن الإمام يحيى اعتمد كثيرا على كتاب ابن الأثير إلى درجة أنه نقل منه مباحث كاملة كثيرة، وكان نقله لهذه المباحث نقلا حرفيا وبرمته. ثم يتساءل عن سبب تجاهل البلاغيين الذين جاءوا من بعد الإمام يحيى بن حمزة لكتابه (الطراز)، على العكس من موقفهم من (المثل السائر) لابن الأثير، ثم يقول: «وللجواب عن هذا السؤال أقول: لو أن ابن أبي الإصبع المصري قدر له أن يأتي بعد الإمام العلوي، ويطلع على كتابه الطراز، ويقف على ما فيه من الخبط، والفساد، والتناقض، وسوء الفهم، وضعف المعرفة بقواعد وأصول وقوانين البلاغة والنقد، وعدم إدراك الفورق والحدود الفاصلة بين فنون البلاغة المختلفة، والذي ترتب عليه وضع أشياء في غير مواضعها التي ينبغي أن توضع فيها، والخلط بين أمور لا يجوز الخلط بينها، لقال فيه ما قاله في كتاب البديع في نقد الشعر لأسامة بن منقذ(584هـ) وهو : "وإذا وصلت إلى بديع ابن منقذ وصلت إلى الخبط والفساد العظيم، والجمع من أشتات الخطأ وأنواعه من التوارد والتداخل، وضم غير البديع والمحاسن إلى البديع، كأنواع من العيوب، وأصناف من السرقات، ومخالفة الشواهد للتراجم، وفنون من الزلل والخلل، يعرف صحتها من وقف على كتابه، وألغم [كذا] النظر فيه، لاجرم أني لم أعتد بكتابه في عدة من وقفت عليه من ذلك" وأحسب أن البلاغيين الذين اطلعوا على كتاب "الطراز" قد قالوا بلسان الحال ما قاله ابن أبي الإصبع في بديع ابن منقذ بلسان المقال».


إذن.. هذه هي الصورة التي حملها لنا الدكتور/ نزيه فراج عن الإمام يحيى بن حمزة في كتابه الطراز، وهي نظرة لا تقتصر في قدحها في مجال البلاغة، بل في عدالته، كأحد أئمة الدين، والعلم، والفقه، الذين عرفهم التاريخ الإسلامي، فهل طرح في كتابه ما يؤيد ذلك؟ أو أنه كان متجنيا عليه؟

وفي مدخل الدراسة ذكر الدكتور/ نزيه فراج أنه كشف عن حقائق كثيرة، وأهمها: أن الإمام يحيى بن حمزة يقف دائما عند الذي يقوله ابن الأثير، و لايتجاوزه، وأنه ينقل منه الغث والسمين، دون فهم، وكذا يزعم أن المفاهيم والأصول البلاغية مشوشة ومضطربة في ذهنه، وأن معرفته بالحدود التي تفصل بين الفنون البلاغية تكاد تكون معدومة، وهذا قليل من كثير مما عده المؤلف حقائق توصلت إليها الدراسة، ولولا معرفتي بمقام الإمام يحيى بن حمزة، ودرجته العلمية بين علماء اليمن لظننت المؤلف يتكلم عن أحد الجهال الطغام، والمتفيهقين السقام، ولكن، الفصل في ما سنراه في الدراسة التي كانت هذه القنابل الصوتية مجرد مقدمات لها، ومداخل تمهيدية إليها.

وفي هذا المقام أكتفي بإلقاء الضوء على جزء بسيط يفي بالغرض، وبيين محل تلك الآراء من الإعراب، و إن كان من الملائم أن أتناول الكتاب بالمتابعة والدراسة من أوله حتى آخره، لولا ضيق الوقت، والانشغال بما هو ألح منه، ولكن مادام في هذا القدر من الإضواء التي سنتعرض لها كفاية في بيان موضوعية الدكتور/ نزيه فراج ، ومنزلته العلمية، التي تؤهله لإصدار هذه الأحكام القاسية على الإمام يحيى بن حمزة، والبداية مع الفصل الأول من الكتاب، من مباحث البلاغة في المعاني، في موضوع الأجرف الجارة ودلالتها اللغوية والبلاغية.

والبداية هنا تكون مع نص أورده الدكتور من الطراز، وفيه: «فالباء للإلصاق، وفي للوعاء، ومن لبيان الجنس، إلي غير ذلك من المعاني»[الطراز:2/53]. وبعد أن يتحقق الدكتور من صحة هذه المعاني يقف عند معنى من، ويقول: «وأما قوله إن"من" لبيان الجنس فغير صحيح، والصحيح أنها لابتداء الغاية، قال الزمخشري: فمن معناها ابتداء الغاية، كقولك: سرت من البصرة، وكونها مبعضة في نحو: أخذت من الدراهم، ومبينة في نحو? فاجتنبوا الرجس من الأوثان? ومزيدة في نحو: ما جاءني من أحد، راجع إلى هذا المعنى، وقد ذكر لها المرادي وابن هشام خمسة عشر وجها»[من مباحث البلاغة والنقد بين ابن الأثير والعلوي:18]، قد أوردت نصه كاملا حتى يبين جهل الدكتور بشواهد اللغة، مصداقا لقول ابن أبي الإصبع المصري الذي أورده في شأن الإمام قبلا، حين قال: «ومخالفة الشواهد للتراجم». وهذا لأنه قد أورد شاهدا مشهورا في كتب النحو، يذكرونه ليوضحوا به أن "من" تفيد بيان الجنس، وهي التي قال عنها ناقلا، «ومبينة في نحو? فاجتنبوا الرجس من الأوثان?» ، ولغفلته أو لجهله لم يفطن أن المقصود بالمبينة المبينة للجنس، وقد أورد هذا الشاهد في كتب النحو في هذا المقام ابن هشام في المغني، وقد أشار إليه متصنعا المعرفة وهو لم يقرأ على ما يبدو ما أورده ابن هشام في معاني "من"، قال ابن هشام: «الثالث بيان الجنس وكثيرا ما تقع بعد وما ومهما وهما بها أولى لإفراط إبهامهما نحو ?ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها? ?ما ننسخ من آية ? ?مهما تأتنا به من آية? وهي ومخفوضها في ذلك في موضع نصب على الحال ومن وقوعها بعد غيرهما ?يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق? الشاهد في غير الأولى فإن تلك للابتداء وقيل زائدة ونحو ? فاجتنبوا الرجس من الأوثان?» أكتفي به كون الدكتور أشار إليه في كلامه، وبهذا يظهر أننا أمام طفرة علمية غير طبيعية، تمتاز بالتسرع، وعدم الدقة في القراءة، تقف من الحقيقة ودونها بون شاسع.


وفي هذا الموضوع نفسه ينقل الدكتور كلام الإمام يحيى بن حمزة في تناوله لقوله تعالى: ?قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ?[24:سبأ] حيث قال: «فانظر إلى براعة هذا المعنى المقصود، وجزالة هذا الانتظام بمخالفة موقعي هذيه الحرفين، فإنه إنما خولف بينهما في التلبيس بالحق والباطل، والدخول فيهما، وذلك من جهة أن صاحب الحق كأنه لمزيد قوة أمره، وظهور حجته، وفرط استضهاره، راكب لجواد يصرفه كيف شاء، ويركضه حيث أراد، فلأجل هذا جعل ما يختص به معدى بحرف "على" الدال على الاستعلاء، بخلاف صاحب الباطل، فإنه لفشله، وفرط قلقه، وضعف حاله، كأنه ينغمس في ظلام وموضع سافل، لا يدري أين يتوجه، ولا كيف يفعل، فلهذا كان الفعل المتعلق بصاحبه معدى بحرف الوعاء، إشارة إلى ما ذكرناه، ويؤيد هذا ما ذكره الله تعالى في سورة يوسف، حيث قال: ?قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ?[95:يوسف]»[الطراز:2/53-54], وأنا هنا سأورد كلام الزمخشري في الكشاف، ومن بعده كلام ابن الأثير في هذا المورد، قال في الكشاف: «فإن قلت : كيف خولف بين حرفيّ الجرّ الداخلين على الحق والضلال؟ قلت : لأن صاحب الحق كأنه مستعل على فرس جواد يركضه حيث شاء ، والضال كأنه منغمس في ظلام مرتبك فيه لا يدري أن يتوجه»[الكشاف:3/582]، وقال ابن الأثير: «ألا ترى إلى بداعة هذا المعنى المقصود لمخالفة حرفي الجر ههنا فإنه إنما خولف بينهما في الدخول على الحق والباطل لأن صاحب الحق كأنه مستعل على فرس جواد يركض به حيث شاءِ وصاحب الباطل كأنه منغمس في ظلام منخفض فيه لا يدري أين يتوجهِ وهذا معنى دقيق قلما يراعى مثله في الكلامِ وكثيراً ما سمعت إذا كان الرجل يلوم أخاه أو يعاتب صديقه على أمر من الأمور فيقول له أنت على ضلالك القديم كما أعهدكِ فيأتي بعلى في موضع فيِ وإن كان هذا جائزاًِ إلا أن استعمال "في" ههنا أولى لما أشرنا إليهِ ألا ترى إلى قوله تعالى في سورة يوسف ?قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ?[95:يوسف]».[المثل السائر، 2/49] ، والمقارنة بين النصوص الثلاثة تقول إن نص ابن الأثير أكثر شبها بنص الزمخشري، باستثناء كلمات يسيرة، وأما الإمام يحيى بن حمزة فقد جمع بينما وجده أفضل عند كلا الرجلين السابقين له في الحديث حول هذه الآية، فزاد كلام الزمخشري شرحا، بعبارة أكثر بيانا، ولم يهمل إضافة ابن الأثير في الاستشهاد بسورة يوسف، لكنه أوجز الحديث فيه، ولكن كيف كانت نظرة الدكتور/ نزيه عبد الحميد فراج في هذا الموضع، فلنستمع إليه حيث يقول: «والعلوي لم يذكر شيئا سوى تطويل عبارة ابن الأثير بألفاظ مترادفة، أكثرها حشو مستغنى عنه»[من مباحث البلاغة والنقد بين ابن الأثير والعلوي:19]، ثم يقول بعد أن يسرد كلام الزمخشري وابن الأثير بأن الإمام يحيى بن حمزة إن الإمام لم يذكر من كلام ابن الأثير في الفقرة الأخيرة سوى الآية فقط، مع أنه زاد الكثير من الألفاظ والجمل التي لا معنى لها في أصل كلام الزمخشري، «وما ذاك إلا لكي يخفي ما أخذه»[من مباحث البلاغة والنقد بين ابن الأثير والعلوي:20]، وهكذا يحكم الدكتور نزيه بنزاهته على الإمام يحيى بن حمزة، في تعليله لما أورده في كتابه "الطراز" بأنه يريد التدليس، ولا أدري أين محل هذا الكلام الأخير من الموضوعية، فقد نتفهم رأي الدكتور في حكمه على زيادات الإمام على نص الزمخشري بأنها حشو، وما شابه ذلك من الأحكام، ولكن عندما يمارس دور المحلل النفسي، ويوضح لنا نوايا الصدور، وبواطن الأمور، فهذا لا يمت لنزاهة الباحث الموضوعي بصلة، لا سيما أن عينه عين سخط، تتلمس المساوئ، وإن لم توجد، فلما أطنب الإمام في الشرح بعباراته على نص الزمخشري عدّه الدكتور حشوا، ولما أوجز الإشارة في شاهد سورة يوسف التي أوردها ابن الأثير عده الدكتور مزورا ومدلسا، فلم يرض عن عمله في الإيجاز، ولم يستحسنه في الإطناب، ونقل أو أخذ الإمام أي شيء من ابن الأثير أو من الزمخشري لا يورد في مجال السرقة، لا سيما وقد صرح بأنه ما طالع من دواوين البلاغة سوى ما كتبه أربعة، «أولها كتاب "المثل السائر" للشيخ أبي الفتح نصر بن عبد الكريم المعروف بابن الأثير، وثانيها كتاب "التبيان" للشيخ عبد الكريم، وثالثها كتاب "النهاية" لابن الخطيب الرازي، ورابعها كتاب "المصباح" لابن سراج المالكي» [الطراز، 1/3-4]، وهذا منه –عليه السلام- عمل يتنافى مع من أضمر النية للسرقة، ونسبة ما أتى به غيره إلى نفسه، ولكنه، أراد أن يجمع بين التهذيب والتحقيق على نحو لم يجده فيما رأي من الكتب، حتى يناسب من عنده من طلابه، «فالتهذيب يرجع إلى اللفظ، والتحقيق يرجع إلى المعاني، إذ كان لا مندوحة لأحدهما عن الثاني»[الطراز،1/5].

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق